ابن عجيبة
131
تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )
قال ابن جزىّ : إن قيل : كيف قال أولا : إِنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ ، ثم قال آخرا : إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ ؟ فالجواب : أنه لاين أولا ؛ طمعا في إيمانهم ، فلما رأى منهم العناد والمغالطة وبخهم بقوله : « إن كنتم تعقلون » ، وجعل ذلك في مقابلة قول فرعون : إِنَّ رَسُولَكُمُ الَّذِي أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌ . ه . ولما تجبر فرعون وبهت قالَ لَئِنِ اتَّخَذْتَ إِلهَاً غَيْرِي لَأَجْعَلَنَّكَ مِنَ الْمَسْجُونِينَ ، أي : لأجعلنك واحدا ممن عرفت حالهم في سجونى ، وكان من عادته أن يأخذ من يرى سجنه ، فيطرحه في هوّة ذاهبة في الأرض ، بعيدة العمق ، فردا ، لا ينظر فيها ولا يسمع ، وكان ذلك أشدّ من القتل . ولو قال : لأسجننك ، لم يؤد هذا المعنى ، وإن كان أخصر . قاله النسفي . الإشارة : التربية لها حق يراعى ويجب شكرها ، ولا فرق بين تربية البشرية والروحانية . قال القشيري : لم يجحد موسى حقّ التربية والإحسان إليه في الظاهر ، ولكن بيّن أنه إذا أمر اللّه بشئ وجب اتباع أمره ، وإذا كانت تربية المخلوقين توجب حقا ، فتربية اللّه أولى بأن يعظّم العبد قدرها . ه . فكل من أحسن إلى بشريتك بشئ وجب عليك شكره ؛ بالإحسان إليه ، ولو بالدعاء ، وكل من أحسن إلى روحانيتك ؛ بالعلم أو بالمعرفة ، وجب عليك خدمته وتعظيمه ، وإنكار ذلك سبب المقت والطرد ، والعياذ بالله . وقول فرعون : وَما رَبُّ الْعالَمِينَ : سؤال عن حقيقة الذات ، ومعرفة الكنه متعذرة ؛ إذ ليس كمثله شئ ، وأقرب ما يجاب به قوله تعالى : هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْباطِنُ « 1 » فهذه الأسماء الأربعة أحاطت بالذات في الجملة ، ولم تترك منها شيئا ، والإحاطة بالكنه متعذرة ، ولو وقعت الإحاطة لم يبق للعارفين ترق ، مع أن ترقيهم في كشوفات الذات لا ينقطع أبدا ، في هذه الدار الفانية ، وفي تلك الدار الباقية . وبالله التوفيق . ثم ذكر معجزة العصا وما يتبعها ، فقال : [ سورة الشعراء ( 26 ) : الآيات 30 إلى 33 ] قالَ أَ وَلَوْ جِئْتُكَ بِشَيْءٍ مُبِينٍ ( 30 ) قالَ فَأْتِ بِهِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ ( 31 ) فَأَلْقى عَصاهُ فَإِذا هِيَ ثُعْبانٌ مُبِينٌ ( 32 ) وَنَزَعَ يَدَهُ فَإِذا هِيَ بَيْضاءُ لِلنَّاظِرِينَ ( 33 ) قلت : ( لو ) : هنا ، ليست امتناعية ، بل إغيائية ، فلا جواب لها ، أي : تفعل بي هذا على كل حال ولو جئتك بشئ مبين .
--> ( 1 ) من الآية 3 من سورة الحديد .